تأملات في سورة الرعد محمد عبد المنعم الازهري - اعرف اكثر

تأملات في سورة الرعد محمد عبد المنعم الازهري




التصوير البياني في سورة الرعد (1)


إن للعبارة القرآنية أسلوبها الفريد في التصوير البديع القائم على عرض النماذج الحية في الكون والإنسان، والأحاسيس والمشاعر، فيما يكشف عن نعيم المؤمنين، ويصف عذاب الكافرين، وفيما يتعلق بوصف الجنة والنار، وأحوال السعداء والأشقياء، وفيما يصور مدى علم الله بالغيب، وإحاطته المطلقة بحال الكون ومَن عليه.

وقد عرضت سورة الرعد لكثير من المعاني التي عبر عنها - بصور رائعة - تآلفُ نظمها، واتسق على أروع طرق في التعبير الذي يرتقي "بالصورة فيمنحها الحياة الشاخصة، والحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخص حي، وإذا الطبيعة البشرية مجسدة مرئية[1]"، والطبيعة الكونية حية تنبض بالحركة المتوالية في أفق الكون الفسيح.

وإذا تدبرنا هذه السورة الكريمة استشعرنا عظمة التصوير البياني في ثنايا آياتها، وهي تعرض آيات الله ومظاهر قدرته في السموات المرفوعة بغير عمد، والشمس والقمر، كل منهما يسعى إلى غاية، وفي الأرض وبسطها وتثبيتها بالجبال الراسية، وجعل الأنهار، وبث الثمرات، وفي الليل والنهار يتعاقبان، وما في الأرض من حدائق وزروع، وفي البرق والخوف منه والطمع فيه، والسحاب وما ينزل منه من ماء، وجريانه في الأودية سبلاً ذا زبد، أو غير ذي زبد، وتصوير الرعد في صورة مسبح بحمد الله: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ [الإسراء: 44]، وفي الصواعق وما يحدث منها.

وتلك الصور البديعة تعبر عنها، وترسم ظلالها الآيات الكريمات من قوله - تبارك اسمه -: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [الرعد: 2 - 4].

وقوله - تعالى -: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾ [الرعد: 12، 13]، وقوله - تعالى -: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ﴾ [الرعد: 17] إلى قوله: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ [الرعد: 17].

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [الرعد: 41].

تلك سبع آيات تتحدث جميعها عن آيات الله في الكون، ومظاهر قدرته، وإذا تدبرنا المعاني التي أدت هذه الأغراض، وأسلوب الأداء لكل معنى من هذه المعاني - فسنجد الأسلوب القرآني فريدًا، يمتاز على غيره من كل أسلوب، لتنوعه مرة بالحقيقة وأخرى بالمجاز، والتعبير بالمشاهد الحسية وباستثارة العقول، والاحتكام إلى العواطف، وبالتخييل الحسن، إلى غير ذلك مما تفيض به الآيات من سبل التوضيح، ووسائل الإقناع والاستمالة، من استعمال صورة المقابلة، والتجنيس، والكنايات، والاستعارات والتمثيل، وعموم وسائل البيان.

ولعل من أبرز ما يطالعنا في ثنايا هذه الآيات من وضوح التصوير الفني فيها ما تعتمد عليه من أسلوب التقابل والتضاد؛ "لأن المعنى يجر ما يقابله، والضد أكثر خطورًا بالبال، والعقل أسرع استجابة له، وهو الذي يوضح الفكرة، ويعين على فهمها"، وبضدها تتميز الأشياء، "وإدراك الأضداد عملية ذهنية يسيرة، لا تحتاج إلى كدِّ الفكر"[2]، وهذه الظاهرة تتبين في مقابل السموات المرفوعة، بالأرض المبسوطة، وفي الليل والنهار، والخوف والطمع، وفي يذهب ويمكث، كل هذا في تنسيق عجيب لبعض معالم الكون في عقد ذي تقابلات فنية رائعة، نلحظها في الرواسي الثابتة، والأنهار الجارية، وبين الزوج والزوج في كل الثمرات، وبين الليل والنهار، ثم بين مشهد السماء ومشهد الأرض، كل ذلك في إطار متكامل المشهد والصورة في نمط من النظم والتأليف عجيب.

والتصوير الفني في قوله - تعالى -: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ [الرعد: 2]... الآية، قد اشتمل على وجوه كثيرة من البيان؛ فهناك القصر في قوله: "اللَّهُ الَّذِي" وهو قصر حقيقي، استفيد من تعريف طرفي الإسناد "الله" و"الذي"، وينجر القصر إلى تسخير الشمس والقمر؛ لأنهما من ملحقات صلة الموصول؛ أي: الله وحده الذي رفع، واستوى، وسخر، وهناك الفصل بين الجمل في قوله: "تَرَوْنَهَا، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ، يُفَصِّلُ الْآيَاتِ، لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ"، والفصل هنا لكمال الاتصال؛ لأن الجمل استئنافية وقعت جوابًا لسؤال سائل؛ ففي الأول كأن سائلاً قال: هل حال السموات ظاهر أم خفي؟ الجواب: "ترونها"، وفي الثانية: إن كل تلك الأمور مِن رفع واستواء وتسخير تحتاج إلى مدبِّر، فمَن هو؟ والجواب: "يدبر الأمر"، وفي الثالثة والرابعة: إن هذه الظواهر الكونية آيات مفصلات، فمن الذي فصَّلها، ولماذا؟ والجواب: ﴿ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ [الرعد: 2].


وفي قوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ﴾ [الرعد: 3] الآية، فنون بيانية، لا تقل عن سابقتها في الآية الأولى؛ فهناك الحذف في قوله: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ﴾ [الرعد: 3]؛ إذ التقدير: ومياه الأنهار؛ لأن التمنن بالمياه أكمل من التمنن بأخاديدها، ولأن القدرة والحكمة في خلق الماء أتم منها في خلق الأخاديد[3]، وهناك القصر الحقيقي الذي استفيد من تعريف طرفي الإسناد "وَهُوَ الَّذِي" في قوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ﴾، ومجيء المسند إليه منكرًا للتكثير والتنويع في قوله: "قطع، وجنات، وزرع"، ثم هذه البلاغة التي تبدو في تقديم المعمول على العامل في قوله: "قطع، جنات، وزرع"، وفي ذلك رد خطأ المخاطبين إلى الصواب؛ لأنهم كانوا يظنون أن الزَّوجين خاصان ببعض الثمرات دون بعض، فبين لهم أن جميع الثمرات مكونة من زوجين اثنين؛ ذكر وأنثى، والْحَظْ ذلك الإيجاز البليغ في قوله: "﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ ﴾" فهاتان لفظتان أغنتا عن الأسباب بذكر "قطع" متلاصقة طيبة وسبخة، وكريمة إلى زهيدة، وصلبة إلى رخوة، وأخرى صالحة للزرع لا للشجر كل تلك المعاني والصفات جمعتها لفظتا "قطع متجاورات"[4]، ويتدرج التعبير في الصورة من إيجاز إلى إيجاز على حد قوله - تعالى -: "﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ ﴾"، فإن هذا التعبير القرآني يحمل في ثناياه "لطائف بلاغية، منها الدالة على لطف الله ووحدانيته وقدرته، وبيان الهدى والحجة الدامغة لمن ضل عن سبيل الله؛ لأنه لو كان ظهور الثمر بالماء والتربة لوجب في القياس ألا تختلف الطعوم والروائح، ولا يقع التفاضل في الجنس الواحد إذا نبت في مغرس واحد، لكن كل ذلك من صنع اللطيف الخبير"[5]، ودليل على عجيب قدرته، وهذه المعاني كلها أغنى عن ذكرها التعبير بقوله: ﴿ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ ﴾، هذا بالإضافة إلى ما يحوي هذا النمطُ الرائع مما يستشير الفكر، ويبعث على التأمل، الذي يفضي إلى الاعتراف بعظمة الخالق - سبحانه.


والْحَظْ دقة التصوير في تقديم ذكر الجنات على الزرع، والإتيان به مفردًا جريًا على الأصل لأنه مصدر، وعلى الرغم من أن الزرع عمود المعاش، فقد قدم ذكر الجنات عليه؛ تنبيهًا على دقة الصنعة، وإحكامًا فيما يجود به الله على عباده من خيرات، كالعنب؛ إذ في خلقته ما يبهر العقول، لكونه مياهًا متجمدة في أجسام رقيقة حلوة المذاق، وراعِ تأخير "نخيل"، فقد ذكرت بعد زرع لئلا يفصل بين الصفة والموصوف، وحتى لا يطول الفصل بين المتعاطفين، ثم إن في التعبير بالصفة دون الموصوف "ما يغني عن ذكر الموصوف بغلبته وجمعه[6]"، وتأمَّل أسلوب التعريض بذم الكفار في قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الرعد: 3]، ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [الرعد: 4].

فإن هؤلاء حرَموا أنفسهم نعمة العقل، فعطَّلوا مقومات التفكير والتدبر، بل عطَّلوا العقل الذي ميزهم الله به على سائر المخلوقات.




ليست هناك تعليقات:

صور المظاهر بواسطة fpm. يتم التشغيل بواسطة Blogger.